محمد ابو زهره
733
خاتم النبيين ( ص )
الذين خاضوا ، وهم الجماعات الإنسانية قلوا أو كثروا ، وهو يقدم لهم أحسن الأدب ، وما يجب التحلي به عندما يقال القول من أحمق مأفون ، أو منافق مفتون ، يقول تعالت كلماته : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ . وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ . يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( النور 15 - 17 ) . نعم إنهم تلقوه بألسنتهم ، لا بعيونهم ، وأخذوه من الألسنة المرددة ، لا من مصادر العلم المتيقنة ، وأشاعوه بالأفواه لتزجية القول في المجالس ، والسمر الماجن الفاسد ، ويحسبون ذلك أمرا سهلا ، معتادا ، وهو عند اللّه تعالى أعظم الفرية ، وإن المؤمن لا يتلقاه بالترويج والإشاعة إنما يرده ، أو يبعدوا الفضول عن أنفسهم ، وإنه لا ينبغي ترداده ، بل رده ، لأنه بهتان عظيم . وهنا قد شاعت قالة السوء ، ورددها المهاجر والأنصاري والمنافق والمخلص في غير تحر ولا احتراس عن لغو القول وبهتانه ، هنا نجد عظمة الرسول ، وإيمانه بأن الطيبين للطيبات وحسن ظنه بأهله . وقوة إيمانه النبوي وضبط نفسه ، وصبره ، فيقول شاكيا الناس إلى الناس : ما بال رجال يؤذوننى في أهلي ، ويقولون عليهم غير الحق ، واللّه ما علمت عليهم إلا خيرا ، ويقولون ذلك لرجل واللّه ما علمت منه إلا خيرا ، ولا يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي . لام رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم الرجال الذين أشاعوا القول الكاذب ، وتضمن قوله لوم الذين استمعوا إليهم . ولقد كان ذلك إنهاء لترداد القول ، لأن الذي نفى الخبر وكذبه هو صاحب الشأن ، وهم من علموه لا ينطق عن الهوى . فكان ذلك إطفاء للثائرة . ولكن إذا كان ذلك القول من أخلاق النبوة فقد بقي حكم البشرية ، والبشرية لها سلطان لم تكذب ولم تصدق ، ولكن النفس ارتابت ، والارتياب ينساب في النفوس إذا كانت له أسباب ولو بالظن الذي لا دليل على صدقه . وهنا نجد التعليم العالي من محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم لمن يختبره اللّه تعالى بمثل تلك القالة الآثمة . فهو لا يسارع إلى أهله يبادرهم بالاتهام أو الإيذاء ، أو غير ذلك مما يرتكبه ابن الإنسان في غضبه أو ريبه ، بل إنه يتلقى ذلك بالصبر الكظيم الهاديء الذي يميل إلى التبرئة ، ولا يميل إلى الاتهام . ولكن أمرا لا يملكه وهو ألا يبدو عنه أثر للألم المكين ، وإن لم يظهر لعنا ولا سخطا ، بل إنه لا يفكر في أن يذكر لها الخبر ، حتى تتبرأ ، فتكون الزوبعة قد هدأت والسحابة العارضة قد تبددت ، ولكنها